جمعة الحلفي ظاهراً وباطناً

أخر تحديث 12.04.2018 08h51

أحمد عبد الحسين

من أبعد ما يمكنني التذكّر، عثوري وأنا طفلٌ أعبث بمكتبة أخي الأكبر “يحيى” على كتاب صغير منزوع الغلاف، مكتوب على صفحته الأولى هذا المقطع من أغنية لفيروز “يا همّ العمر، يا دمع الزهر، يا مواسم العصافير”. المفتتح الفيروزيّ أشبه بصلاة مرفوعةٍ إلى إله الرقّة، فكان أنسب طريقة لخلق الألفة بيني وبين هذا الكتاب.
لكنّ هذا الحزن الشفيف في المقطع الفيروزي، سينسحب في الصفحة اللاحقة لقصيدة قصيرة عنوانها “دهشة”:
(احزر جم جرح بالروح
والله جروحي لو تعرف عددهن جا كلت:
بوياي بس أنت صدك مجروح)!
منذ تلك اللحظة، صار واضحاً لديّ أن نمطين من الحزن يتناوبان على روح الشعراء: الحزن المفعم برهافة تصل إلى حدّ يكاد يلامس الفرح، أو بتعبير أغنية أخرى لفيروز “يا حزني السعيد التقينا وتوادعنا”، وحزن آخر يقال بكل حمولته من الوجع، حزن المقهورين الذين لا يجدون وقتاً ولا مزاجاً لتلطيف عذاباتهم.
وإذ أفرّق بين الحزنين، عرفتُ لاحقاً أني أفرّق بين نمطين من الأداء الحزين: شاميّ “لبناني أو سوري”، وآخر عراقيّ. في الأول يمكن للعذاب أن يكون الاسم الآخر للعذوبة، بينما ليس في الثاني سوى عذاب خالص، لأنه عراقيّ خالص.
كان اسم الكتاب “ساعة ويذبل الزيتون” وكان اسم الشاعر “جمعة الحلفيّ”. وأحببت الكتاب وصاحبه.
بعد عشرين سنة، التقيت جمعة الحلفي في دمشق الشامّ، قصصتُ عليه حكايتي معه ومع كتابه، ضحكنا وصرنا صديقين.
كنا منفيين، شاعرينِ هاربين من وطننا بقصائدنا وحزننا الثقيل، إلى دمشق، الأم الرؤوم التي منحتنا المأوى الآمن بلا مقابل، ولقنتنا الطريقة الشامية التي يقول بها المحزونون حزنهم.
كانت قصائد جمعة التي كتبها في دمشق، فيها مسّ من سماء رحمانية، اختفى صبيب الألم الذي يحفر الروح بلا هوادةٍ، وحلّتْ محلّه القدرة على تقبّل مجابهة العذاب بروح طلقةٍ، أو بتعبير جاك دريدا “الابتسامة الإلهية أمام الموت”.
صديقين كنّا وزميلين، عملنا معاً في الصحف ذاتها، أسسنا جريدة “المنتدى الثقافيّ” الذي رأس هو تحريرها، ثم أسسنا مجلة “المسلّة”، ولم يكد يمرّ أسبوع دون أن تجمعنا سهرة في بيته أو بيت الكبير مظفر النوّاب.
غادرتُ أنا إلى كندا وظلّ هو في جنته الدمشقية، إلى أن سقط نظام الديكتاتور، عاد هو قبلي إلى العراق بعد ايام من انهيار الصنم، وتأخرت أنا قليلاً لأحزم أمري وأقرر العودة إلى وطني إلى الأبد.
في أول يوم لي في بغداد، التقيته. كان رئيس تحرير جريدة “الصباح”، وكان طبيعياً أن نعود زميلين كما في الأيام الخوالي، عرض عليّ العمل في الصباح، فوافقت لأن العمل مع جمعة الحلفي مكسبٌ للعقل والضمير.
نفس المشهد سيتكرر بعد سنوات، سيكون رئيس تحرير مجلة الشبكة، وسأكون معه سكرتير تحريرها.
هكذا، كلّ حياتي المهنية، كان لجمعة الحلفيّ حصة فيها، لكنْ في كلّ حياتي العميقة في الشعر والحياة، كانتْ له ذات الحصة وزيادة.
كيف يمكن أنْ أنسى صوته الخافت حتى حين يكون في سورة غضب؟ كيف أنسى ذلك الهدوء الربانيّ الذي طالما تمنيتُ أن يكون لديّ بعض منه؟
في أيامه الأخيرة، وهو يشعر باقتراب زيتونته من الذبول، كان يحرص على طمأنة مَنْ حوله أكثر من حرصه على طمأنة نفسه، بقي إلى يومه الأخير يشرب من نبع الحياة بجرعات كبيرة، ويمنح المحبة للآخرين بجرعات أكبر.
السلام عليه حاضراً وغائباً، وظاهراً وباطناً.

أضف تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار
استطلاع رأي

هل ستشارك في الانتخابات المقبلة ؟

عرض النتائج

Loading ... تحميل ...

برمجة وتصميم : IQ HOSTING شركة استضافة