هنّ في عيدهنّ

أخر تحديث 12.04.2018 08h15

أحمد عبد الحسين

هنّ الباسلات، ورثن بسالتهنّ من أيام مغرقة في القدم، أيام كانت الشمس أقرب، والسماء أكثر صفاءً، والتراب حتى التراب كان يكلم الموتى والأحياء، يوم كانت آلهات العراق إناثاً قبل أن يستولي على المقدّس والمدنس رجل ويزجنا في ظلام. وهنّ المقموعات بليل القرون الذي لا يريد أن ينتهي. سواد عباءاتهنّ سواد العراق، أرض السواد التي اسودّت لكثرة ما مرّ عليها من مخابيل قال كلّ منهم أنا ربكم الأعلى.

هنّ الحزينات، يربين في وجدانهنّ ألماً وشيكاً على ابن ذهبوا به إلى مطامير لن يخرج منها، أو أتوا به من جبهة حربٍ تديم عرش طاغيةٍ كلما بتر رأسه ظهر له ألف رأس. هنّ المنسيّات، تأسس العراق الجديد في غيابهنّ، ونما وكبر على قمعهنّ، وتناوب عليه سادة وعبيد كلهم بداة لأن في أذهانهم ان البشر رجال، والسياسيين رجال والمثقفين رجال وأكثر أهل الجنة رجال وأكثر أهل النار نساء!

هنّ الجميلات يغرقن عيونهنّ كحلاً وقلوبهن كركرة أطفالٍ وينتظرن على عتبات البيوت عودة غائبين تتخطفهم وحوش شتى: سيارة مفخخة أو كاتم صوت بيد رجال يطلبون جنان خلدهم بسفك دم حرام.
هنّ الحبيبات يتلفتن في الحدائق خوفاً على عشاقهنّ من شرطة المقدس المنافقين الذين يريدون استئصال الحياة من جذورها وفي بالهم أن مثالهم الأعلى فراديس تورا بورا الناضحة لبناً وعسلاً بعد أن أصبحتْ خالصة لوجه نفاق أخذ يضرب أطنابه في هذا الشرق المبتلى بعقائده الموجعة.

هنّ الشجاعات إذا لاذ رجالهنّ بالجبن ستاراً يقيهم من الجوع والعوز ويدنيهم من لعق بقايا صحون أولي الحظوة، هنّ الزاهدات إذا تكالب أصحاب الشوارب على جيفةٍ يأكلونها بعد أن شبع منها أسيادهم، هنّ الممتلئات حكمة إذا استسلمنا نحن لغبائنا غباء القرون، هنّ الواضحات حين نعقّد نحن الدنيا وما فيها للتستر على جبننا وعارنا.

هنّ بصبرهنّ وجمالهن وبسالتهنّ وعشقهنّ وخوفهنّ وفرحهنّ ورقتهنّ وذكائهنّ وحكمتهنّ وسهرهنّ وشجاعتهنّ ووعيهنّ وزهدهنّ ووضوحهنّ واحتمالهنّ وأحلامهنّ وتسامحهنّ، ليلهنّ ونهارهنّ، أمومتهنّ وطلاقة أرواحهنّ، عشقهنّ وخصامهنّ، رضاهنّ وغضبهنّ، فقرهنّ وغناهنّ، جمالهنّ وزينتهنّ، يعلمننا درساً كونياً كبيراً: ان العالم أخطأ خطأ فادحاً من العسير تلافيه الآن، ان هذا العالم الغبيّ وضع مقاديره بيد الرجال، فلنحصد الآن سوء تدبيرنا وقلة وعينا حين وثقنا بالرجل سيداً وتركنا أنفس ما ابتدعه الله: المرأة سيدة هذا العالم، وصاحبة عرشه الحقيقية التي رضيت مع ذلك أن تكون تحت سلطة الرجل الذي هو أدنى منها وأقلّ وعياً ورأفة ورحمانية.

أضف تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار
استطلاع رأي

هل ستشارك في الانتخابات المقبلة ؟

عرض النتائج

Loading ... تحميل ...

برمجة وتصميم : IQ HOSTING شركة استضافة